سيد محمد طنطاوي

191

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن فالقرآن مملوء منه ، ولغة العربي يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام . ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان . ومحققي أهل الأصول . وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم . ثم قال : قلت : وحديث البخاري : أن أخي استطلق بطنه . . أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ، لأن قوله صلى اللَّه عليه وسلم « صدق اللَّه » أي : أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا » « 1 » . والذي نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم اللَّه - تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا في هذا المجال ، إصرار النبي صلى اللَّه عليه وسلم على أن يقول للرجل الذي استطلق بطن أخيه أكثر من مرة ، « اذهب فاسقه عسلا » . وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد « 2 » . ثم ختم - سبحانه - : الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أمر النحل من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة ، ومن إدارتها لشؤون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التي جعلها اللَّه مذللة في ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج العسل من بطونها . . . إن في ذلك وغيره ، لآية باهرة ، وعبرة ظاهرة ، ودلالة جلية ، على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وحكمته ، لقوم يحسنون التفكير فيما أخبرهم اللَّه - تعالى - عنه ، ويوقنون بأن لهذا الكون ربا واحدا لا إله الا هو تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع اللَّه في خلقه ، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم ، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، وكاستخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من بطون النحل .

--> ( 1 ) تفسير فتح البيان ج 5 ص 267 للشيخ صديق خان . ( 2 ) راجع على سبيل المثال كتاب : الإسلام والطب الحديث « للدكتور عبد العزيز إسماعيل .